الشيخ محمد هادي معرفة
280
تلخيص التمهيد
حصر القراءات في السبع كان العرض المتقدِّم نموذجاً كافياً عن اعتناء المسلمين في عامَّة أدوارهم بالقراءات المعروفة عن الأئمَّة الكبار وحفظها وتدوينها والقراءة بها أجمع ، غير أنَّ أهل كلِّ بلد كانت عنايتهم بمن حلَّ في بلدهم من الأئمَّة أكثر من غيرهم . ولم يكن من أحد من العامَّة والخاصَّة نكير على هذه السيرة المستمرَّة ، كما تقدَّم في كلام ابن الجزري أخيراً . وهكذا كانت اختيارات القرّاء واجتهاداتهم في الأخذ والتمحيص موضع عناية كافّة المسلمين ، يتلقَّونها ويقرأون بها . نعم ، في إطار من محدوديَّة شروط خاصَّة تقدَّمت أيضاً . لقد جرت هذه السيرة المستمرَّة في كلا جانبي القراءة والإقراء ، حتّى مطالع القرن الرابع ، حيث نبغ نابغة بغداد - في اجتلاب قلوب العامَّة والنفوذ في عقول الامراء - أبو بكر « ابن مجاهد » . كان قد تصدَّر كرسيّ شيخ القرّاء رسميّاً من قِبَل الدّولة ، واجتمعت عليه عامَّة الناس في غوغاء وضوضاء ، وكان له منافسون أفضل نبلًا وقدماً في القرآن ، وكانوا يستصغرونه لضآلة عمله وقلَّة روايته عن الشيوخ وعدم رحلته في طلب العلم وضعف مقدرته في فنون القراءة وأنواعها المأثورة عن الأئمَّة الكبار . يقول المعافي أبو الفرج : دخلت يوماً على ابن شنبوذ « 1 » وهو جالس وبين يديه خزانة الكتب ، فقال لي : يا معافي افتح الخزانة ، ففتحتها وفيها رفوف عليها كتب ، وكلُّ رفٍّ في فنٍّ من العلم ، فما كنت آخذ مجلَّداً وأفتحه إلّاوابن شنبوذ يهذُّه كما يقرأ الفاتحة « 2 » . ثمَّ قال : يا معافي ، واللَّه ما أغلقتها حتّى دخلت معي إلى الحمّام هذا ، والسوق للعطشي « 3 » . قال ابن الجزري : وكان قد وقع بين ابن شنبوذ وابن مجاهد تنافس على عادة الأقران ، حتّى كان ابن شنبوذ لا يقرئ من يقرأ على ابن مجاهد ، وكان يقول : هذا العطشي - يعني ابن مجاهد - لم تغبَّر قدماه في هذا العلم . قال العلّاف : سألت أبا طاهر : ايُّ الرجلين أفضل ، أبو بكر ابن مجاهد ، أو أبو الحسن ابن
--> ( 1 ) محمَّد بن أحمد بن أيّوب بن شنبوذ . ( راجع غاية النهاية : ج 2 ص 52 ) . ( 2 ) يقال : هذّ الحديث يهذّه - بتشديد الذال - أي قرأه سريعاً . ( 3 ) السوق كناية عن رواج الأمر . والعطشي : لقب ابن مجاهد ، لأنّه ولد بحارة سوق العطش في بغداد ، فنسب إليها .